ابن أبي مخرمة
557
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
وألقى نفسه في الماء في إثرها ، فأدار الملاح الحراقة ؛ فإذا هما معتنقين ، ثم غاصا فلم يريا فاستعظم محمد ذلك وهاله ثم قال : يا عمرو ؛ لتحدثني ما يسلّيني وإلا . . ألحقتك بهما ، قال : فحضرني حديث يزيد بن عبد الملك وقد قعد للمظالم وعرضت عليه القصص ، فمرت به قصة فيها : إن رأى أمير المؤمنين أن يخرج إلي جاريته حتى تغنيني ثلاثة أصوات . . فعل ، فاغتاظ يزيد من ذلك ، وأمر من يخرج إليه ويأتيه برأسه ، ثم أتبع الرسول رسولا آخر ، فأمره أن يدخل إليه الرجل فأدخله ، فقال : ما الذي حملك على ما صنعت ؟ قال : الثقة بحلمك ، والاتكال على عفوك ، فأمره بالجلوس حتى لم يبق أحد من بني أمية إلا خرج ، ثم أمر بالجارية فأخرجت ومعها عودها ، فقال لها الفتى : غني : [ من الطويل ] أفاطم مهلا بعض هذا التدلل * وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي فغنته ، فقال له يزيد : قل ، قال : غني : [ من البسيط ] تألق البرق نجديا فقلت له * يا أيها البرق إني عنك مشغول فغنته ، فقال له يزيد : قل ، قال : تأمر لي برطل شراب ، فأمر له به فما استتم شرابه حتى وثب وصعد على أعلى قبة ليزيد ، فرمى نفسه على دماغه فمات ، فقال يزيد : إنا للّه وإنا إليه راجعون ، أتراه الأحمق الجاهل ظن أني أخرج إليه جاريتي وأردها إلى ملكي ، يا غلمان ؛ خذوا بيدها واحملوها إلى أهله إن كان له أهل ، وإلا . . فبيعوها وتصدقوا بثمنها عنه . فانطلقوا بها إلى أهله ، فلما توسطت الدار . . نظرت إلى حفيرة في وسط دار يزيد قد أعدت للمطر ، فجذبت نفسها من أيديهم وأنشدت : [ من السريع ] من مات عشقا فليمت هكذا * لا خير في عشق بلا موت فألقت نفسها في الحفيرة على دماغها فماتت . فسري عن محمد ، وأجزل صلتي . وكان الجاحظ في آخر عمره قد فلج ، فكان يطلي نصفه الأيمن بالصندل والكافور ؛ لشدة حرارته ، والنصف الآخر لو قرض بالمقاريض . . لما أحس به من خدره وشدة برده ، وكان يقول في مرضه : اصطلحت على جسدي الأضداد ، إن أكلت باردا . . أخذ برجلي ، وإن أكلت حارا . . أخذ برأسي ، أنا في جانبي الأيسر مفلوج ، لو قرض بالمقاريض . .